ابن الكندي

17

فضائل مصر المحروسة

وصائد بحر ، وقانص وحش وملاح سفينة ، وحادي إبل ، ومفازة رمل وسهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل . وذكر أنه صورت للرشيد صورة الدنيا فما استحسن منها غير بلد أسيوط ، وذلك أن مساحته ثلاثون ألف فدان في دست واحد ، لو قطرت قطرة فاضت على جميع جوانبه ، ويزرع فيه الكتان والقمح والقرط وسائر أصناف الغلات فلا يكون على وجه الأرض بساط أعجب منه ، ويسايره من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان ، كأنه قرنان ، ويحف به من جانبه الشرقي النيل ، كأنه جدول فضة ، لا يسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطير . وأجمع الناس أنه ليس على وجه الدنيا بساط قرط فيه خيل موقوفة وخيام مضروبة ، ونتاج ، ومهارى ، وسائمة ، وقهارمة ، إلا بمصر . ذكر ما ورد في نيل مصر وأما نيلها ، فروى ابن لهيعة : أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب : أسألك باللّه العظيم يا كعب ، هل تجد لنيل مصر في كتاب اللّه خيرا ؟ قال : إي والذي فلق البحر لموسى عليه السلام ! إني لأجد في كتاب اللّه عز وجل أن اللّه يوحى إليه عند جريه : إن اللّه يأمرك أن تجري كذا وكذا ، فاجر على اسم اللّه ، ثم يوحى إليه عند انتهائه : إن اللّه يأمرك أن ترجع ، فارجع راشدا . وروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : " أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات " . ورى أن اللّه تعالى خلق نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا ومياهها ، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلها لمادته ، وحين ينقصى تمتلئ كلها . وذكر أبو قبيل ، أن نيل مصر في زيادته يفور كله من أوله إلى آخره . وقال ابن لهيعة : كان لنيل مصر قطيعة على كور مصر ، مائة ألف وعشرين ألف رجل ، معهم المساحى ، والآلات سبعون ألفا للصعيد ، وخمسون ألفا لأسفل الأرض لحفر الخلج وإقامة الجسور والقناطر وسد الترع ، وقطع القضب والحلفاء ، وكل نبت مضر بالأرض . وقال محفوظ بن سليمان : إذا تم الماء ست عشرة ذراعا فقد وفي خراج مصر ، فإذا زاد بعد ذلك ذراعا واحدة زاد في الخراج مائة ألف دينار لما يروى من الأعالي ، فإن زاد بعد ذلك ذراعا أخرى نقص مائة ألف من الخراج ، لما يستجر من البطون . وذكر ابن عفير ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص . سلام عليك ؛ فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ،